السوريون في عنتاب

بين الثقافة والسياسة

الواضح هو أن النظم في دول العالم الثالث هي بدون ثقافة، لأنّ الثقافة تقتضي من المثقف أن يجعل للثقافة سلطة في الدولة التي ينتمي إليها. فعندما تكون للثقافة سلطة، يكون للنظام ثقافة. وعندما تُهان الثقافة ويفقد المثقّف حريّته؛ ندرك أن النظام الذي يهينها، بسلبها الحرية والفاعلية والقرار، فإنما يفعل ذلك، لأنّه يفتقر إليها ضمن هيكله التنظيمي، ولا يملك إلاّ قشورها. حول علاقة الثقافة بالسياسة كانت الندوة الحوارية بعنوان : السوريون في عنتاب بين الثقافة والسياسة التي دعا اليها تيار الوعد السوري يوم الجمعة 10-6-2016وتضمنت أوراقاً أساسية فضلاً عن الحوار الذي سبقها ثم تلاها .

محمود عادل بادنجكي

 تقدّم محمود عادل بادنجكي بورقة تحدث فيها عن علاقة المثقف بالبيئة المحيطة وتفاعلاتها، ورأى أنه من البدهيّ أن تكون الثورة السوريّة وتداعياتها، منهلاً ثرّاً للإنتاج الثقافيّ بأنواعه، يعكس الواقع، ويوثّق فيض الأحداث، التي تُعَدّ في الحالات الطبيعيّة فرصة كبرى للمبدعين، يصوّرون المعاناة، ويلتقطون الألم ليراكموه في قوالبهم الإبداعيّة المختلفة.

لكنّنا على أرض الواقع نجد تكاسلاً، وتراجعاً غير مسبوق، في الإنتاج المحترف، مع وجود المبدع والمحرّض والوقت والحاجة الماسّة للإبداع. وعزا بادنخكي هذا التراجع إلى عوامل مختلفة، منها:

1- الهمّ الحياتيّ اليوميّ في السعي لسدّ الحاجات في ظروف شحّ الفرص والموارد.

2- الأحداث المتعاقبة والمتسابقة في فعل إدهاشها وصدمتها والتي تجعل بعض المآسي على فداحتها أحداثاً عاديّة تأخذ طابع عموم البلوى.

3- تفريغ الشحن الإبداعيّ عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ.

4- غياب السوق، يترافق مع فوضى توزّع البنية التحتيّة وتشتّتها.

5- تراجع المتابعة الثقافيّة المركّزة –على قلّتها في الأحوال الطبيعيّة- بسبب غياب المثقف المتلقّي والمنشغل بهمومه، وقلّة موارده.

6- انشغال المبدع بالهمّ السياسيّ، واختلاف الأدوات، وطرق التعبير، وسبل تحقيق الذات.

وفي النظرة العامّة للسوريين والثقافة في عنتاب، كما قال المحاضر، نجد توقاً لتفعيل المشهد الثقافيّ، بتحريض المثقّفين على التفاعل، من خلال توفير مراكز تواصل ثقافيّ وهذا المنبر أحدها بالإضافة إلى دار نون، وبيتنا سوريا، ومركز الفاتح، ومراكز الأحزاب، والتيارات السياسيّة المختلفة، هي محاولات تبقى عاجزة عن الاستقطاب، مالم يكن هناك شأن دينيّ أو سياسيّ، عبر شخصيّة شهيرة.

وعلى صعيد السياسة، رأى أن هناك محاولات متكرّرة متشابهة في معظم الأحيان، من القوى السياسيّة المتواجدة لإنتاج فكرة أو فعل ما، يغيّر في المشهد، ويؤدّي إلى تأسيس بنىً تأخذ المبادرة وتمسك زمام الفعل، فتصطدم بمعيقات كثيرة منها:

1- غياب التمويل الوطنيّ المستقلّ، البعيد عن فرض الإرادة والإملاءات.

2- غياب الدعم السياسيّ الدوليّ غير المشروط، بسبب تضارب المصالح الإقليميّة والدوليّة، مع الثورة السوريّة.

3- غياب روح العمل الجماعيّ، والناتجة عن ثقافة مغروسة عبر نصف قرنٍ من ممارسات وتربية، وتجارب.

4- انعدام التأثير بالداخل، لاقتصار الفعل على بيانات وخطب، لا تُسمن ولا تُغني من جوع في نظر أصحاب الحاجة على الأرض.

5- شيوع ثقافة التخوين، والتحبيط.

6- ارتباط الكثير من القوى السياسيّة والعسكريّة والإغاثيّة بأجندات خارجيّة غير وطنيّة.

7- تدافع الأحداث، والشعور العارم بعدم وجود جدوى لأيّ فعلٍ أو تأثير، بسبب تغوّل القوى الدوليّة.

وختم كلامه بالقول إنّ النظرة الإجماليّة للمشهد، منذ بداية الثورة حتّى الآن، تدلّ على إحساس كبير بالمسؤوليّة، يتحلّى به الغيورون وما أكثرهم، يتبعون طريقة النملة في إصرارها.

 

سعد وفائي

د. سعد وفائي بدأ بنظرة تاريخية حيث أن في الوقت الذي تتميز البقعة الجغرافية التي يطلق عليها سوريا بالتاريخ المعاصر باحتوائها على اقدم عاصمة مأهولة في التاريخ على سطح البسيطة وهي دمشق واحتوائها على اقدم مدينة مأهولة في التاريخ على سطح نفس البسيطة وهي حلب فانه من الملفت للنظر ان تاريخ الدولة في هذه البقعة الجغرافية هو تاريخ حديث. ورأى أننا لا نستطيع هنا ان ننكر ان هذا التقسيم ترك اثره على الفكر السياسي السوري الى يومنا الحاضر معززا بالسياسات التي لحقته. وتحدث عن المرحلة الثانية مع نهاية الانتداب الفرنسي 1946 لتبدأ مرحلة يمكن وصفه بمطالع النضج في الطرح السياسي. لتبدا المرحلة الثالثة من بعد الانفصال وتتميز هذه المرحلة ب:

  1. سيطرة العسكر
  2. غياب الرموز السياسية
  3. صعود طبقة ناشئة ليس لها جذور فكرية او بشرية

جاءت الثورة السورية 2011 بعد غياب كبير للعمل السياسي ويمكن ان نسوق عليها الواقع الثقافي حيث تميزت المرحلة الديكتاتورية بإبراز نوع واحد من الثقافة وابراز اصحاب هذا الفكر والتسويق له من سليمان العيسى الى بدوي الجبل وليس ادونيس عنهم ببعيد واخفاء اي رمز آخر حتى باتت طروحات عصر النهضة مغيبة تماما والتي هي بحد ذاتها لم تعد قادرة على النهوض بمتطلبات المرحلة الثانية والتي يمكن ان نسميها مرحلة توليد الدولة الوطنية والمرحلة الثالثة وهي مرحلة الديكتاتورية كل هذا ورث شتات ثقافي قبل ان يأتي الشتات البشري الهائل الذي تسبب به اجرام النظام السوري وعينتاب مثل واضح على هذا الشتات. وعكفت النخب الفكرية على التحدث مع نفسها بطريقة او اخرى تاركة باقي الطبقات الى همومها الفكرية وامراضها الاجتماعية حيث غابت المقاهي الشعبية وغاب المسرح كما غابت المسلسلات الوطنية وحتى معارض الكتاب وغيرها من فنون الثقافة ومع غمرة وتعقيدات السياسة غفل من يعمل بها عن الشأن الثقافي ومع ازدياد الحاجة الى الاغاثات العاجلة غاب التمويل عن الثقافة وفعالياتها.

 

حسن النيفي

أما ورقة حسن النيفي فقد قال فيها: يحيل معظم النتاج الذهني للتيارات والقوى السياسية السورية منذ مرحلة الأربعينيات وحتى هذه اللحظة إلى طغيان الهاجس السياسي على النزوع الفكري أو الثقافي، إذ سرعان ما يتحول حديث أي مفكر أو سياسي إلى حديث في السياسة يتناول الشأن العام ،لكن دون أن يتقوّم هذا الهم السياسي على مراكمات معرفية ثقافية، وهذا ما يجعل الحديث في السياسة هو أقرب ما يكون إلى العمل الارتجالي الذي لا يتأسس على رؤى وثوابت نظرية ضابطة للسياسة. أضف إلى ذلك أن الاهتمام بالجانب السياسي، لم يُنتج مراكمات سياسية ناتجة عن دراسات ممنهجة وجهود معرفية في حقول علم السياسة، مثلا كالبحث في( نظرية الدولة- أو علاقة المواطن بالسلطة - أو دور المؤسسات والكيانات السياسية في المجتمع)،بل يمكن الحديث عن مُنتَج كمّي كبير يتراوح بين التنظير الإيديولوجي للأفكار الجاهزة، والنزوع الحماسي لتحليل الأوضاع القائمة. الأمر الذي كان يحول دوماً دون مقاربة الواقع مقاربة ثقافية تحاول توظيف الفكر المجرّد في رؤية الواقع كما هو. ولعلّ غياب الحضور الحقيقي للثقافة في العمل أو الإنتاج السياسي قد أفضى إلى هيمنة البديل الإيديولوجي، إذ غالباً ما كان يُنظر إلى الممارسات الإيديولوجية على أنها هي نشاط فكري مثالي صالح لأي مقاربة يقوم بها رجل السياسة حيال الواقع، وهذا ما تؤكده لنا معظم النتاجات التي خلّفها القوميون في مرحلة الخمسينيات والستينيات وكذلك الاشتراكيون والإسلاميون، أي إن هؤلاء جميعاً تحدثوا كثيراً في السياسة، وكذلك فصّلوا القول كثيرا في كيفية وجوب التعامل مع المستجدات، ولكن لم نجد في معظم ما كتبه السياسيون منذ أواخر عصر النهضة وحتى اللحظة الراهنة (نظرية في بناء الدولة )، أو(أو بحوثاً مميّزة وذات منهجية علمية تتناول أي شأن سياسي آخر).

ويمكن القول بمزيد من التأكيد: إن مجمل التشكيلات السياسية السورية التقليدية من أحزاب وتجمعات وتيارات وأفراد تُعدّ الحامل الحقيقي لموروث سياسي غنيّ بالزخم الإيديولوجي، ويفتقر كثيراً إلى الجانب المعرفي والثقافي. فإشكالية الأحزاب في المجتمع السوري ليست إشكالية ناتجة عن وضع سياسي مأزوم فحسب، بل المشكلة – فيما أعتقد – تكمن في صلب أزمة الثقافة، إذ ثمة قطيعة واضحة خلال عقود خلت بين السياسة والثقافة، ذلك أن السياسة حتى تكون قادرة على استنباط مضامينها ومشروعيتها من السياق الاجتماعي لحياة المواطنين، يجب عليها أن تتأسس على حوامل معرفية متينة ومتضمنة لحدود من المعقولية، ولعله من المؤسف جداً أن مراجعة دقيقة للإرث السياسي الذي خلفته المعارضة السورية منذ مرحلة ما بعد الاستقلال يظهر بوضوح ضحالة وهزالة الحوامل المعرفية والثقافية التي تتقوّم عليها السياسة. وفي الوقت الذي كان من المفترض فيه أن يكون فرصة عظيمة لفتوحات ثقافية وفكرية هائلة، وأعني بذلك ثورات الربيع العربي عموماً، والثورة السورية على وجه الخصوص، والتي كانت زاخرة بكشوفاتها الثقافية أكثر بكثير من إرهاصاتها السياسية، إلّا أن المؤسف حقاً هو بقاء الانشطار الكامل بين السياسة والثقافة، وما زال ثمة هروب أو خشية لرجال السياسة من مقاربة واقع الثورة مقاربة ثقافية قادرة على اختراق الأنساق الإيديولوجية ومتسلحةً في الوقت ذاته برؤى وتصورات منبثقة عن وعي معرفي عميق وليس عن تصورات ساذجة او هزيلة. لديّ اعتقاد راسخ بأن نجاح أي ثورة مرهون بسلامة ونضج حواملها الثقافية والفكرية القادرة على إنتاج وعي اجتماعي سليم ومعافى، والقادرة أيضاً على أن تجعل المنتَج الذهني قائداً ومؤسّساً لأي نشاط ميداني على أرض الواقع.

شارك هذا الموضوع على :