المسابقة الأدبية

- جائزة أفضل رواية: مناصفةً لـ "مأمون السليمان" عن رواية "ثورة في ميلانو" - "منصور المنصور" عن رواية "ليس كما كان".

- جائزة القصيدة لـ "أحمد م أحمد" عن قصيدة "إلّا نعشاً".

- جائزة القصّة القصيرة لـ "رؤى أحمد" عن قصّة "ديمة".

- جائزة النثر لـ "ملك" عن خاطرة "ربيع".

__________________________________________________________________________

ديمة - قصة قصيرة لرؤى أحمد

الجميع يتحدث عنها بسوء، لكنها لم تكن ضحية، أو هكذا بدت لي حينها. هل كنتُ أغار منها؟  لا أعلم، لكنها لعنة الفتاة الجميلة التي سافر الدها و ليس لديها أخوةٌ ذكور في البيت.. أحياناً كنت أحسد ديمة على هذه اللعنة.. نعم!

ففي مجتمعٍ ذكوريٍ منغلق كـ"زملكا" يبدو لي من الأفضل ألا يكون لديكِ أخوةٌ شباب.. لأنك ستصبحين شرفهم وعرضهم الذي يجب أن يصان.. هناكَ حساباتٌ لكلِ إيماءةٍ قد تقومين بها.. خيوطُ العنكبوت التي تقيّدك من الداخل و الخارج .

 يا ويلي! كيف لي أن أصبح نصف ديمة بل ربعها على الأقل؟ أريد أن أمشي بحريةٍ مثلها.. أن أقول صباح الخير للبائع الشهوانيّ دون أن تعنيني نظراته.. أن يأتي صديقي إلى البيت، ويوصلني بسيارته إلى الجامعة..  ولكن لكل شيءٍ ضريبة.. فالجميع ينعتها بالعاهرة، وكثيراً ما كنت أستمعُ لأحاديثِ أخي وأصدقائه حول "ديمة".. كلمة واحدة يسمعونها منها كانت تكفي لإمضاء سهرة كاملة للحديث حول جمالها والكثير من الأكاذيب التي يخلِقها خيال أصدقاء أخي عنها.. حقيقةً كنت أشعر بالغيرة، وجميعُ النساء اللواتي يعشنَ في الحارة كنّ كذلك.

أذكرُ عندما قُتلَ ثلاثةً من شبانِ الحي في بداية الثورة السورية كيف اجتمع كبار الحارة من أجل أن يدفنو الشهداء مساءً حتى لا يؤجّجوا الوضع مع الأمن , ديمة التي كانت قريبة من المشهد احتجَّت بشكلٍ لم أكن أتوقعه منها.. هل من المعقول لفتاةٍ تهتمّ بجمالها إلى هذا الحد، وتعتني بأصغر تفصيلٍ يبدأُ من لون حجابها المثير وحتى الخاتم الزمردي في خنصرِ قدمها ,أقول هل من المعقول لهذا الجمال أن يحمل كل هذا التمرّد! كنت ألمحه في عينيها و هي تصيح بهم:

- كيف يعني تدفنوهم بالليل , لك هدول شهدائكم ولازم ينعملهم تشييع, ارفعوا إسم البلد فيهم , هنن ما ماتوا مشان أنتو تخافوا , ماتوا كرمال تكونوا أحرار!

أبو سمير الرجل الذي كان يتاجر بكلِ شيء، وهو أشبه بكبير الحارة حاول إسكاتها بالمصطلح الأسهل دائماً:

- فوتي ع بيتك يا حرمة

لسعتني ديمة في الصميم حين عبّرت عن غضبها من كلام أبو سمير , قالت كلاماً كان يغسل آفات الخوف في رأسي و يحاول أن يظهر الصورة على حقيقتها , نعم ... كما قالت ديمة , نحن سوف نشارك بالجريمة إن سكتنا عنها , و يكفي ما مر علينا من زمنٍ ونحن نُعَلِم أبناءنا مقولة الحيط الحيط و يا رب السترة , نحن الذين نتجرأ على الله ولا نتجرأ على رجلِ الأمن , و الذين نشكر القائد ألف مرة على نعمة الكهرباء و الماء و الخبز الذي توفره الدولة , نحن الأبقار النعسة , و الخراف الجاهزة للذبح و الكائنات التي تسير نائمة و تنامُ مستيقظة و الكثير من الكلام الذي قالته ديمة و الذي كان أكبر من وعيِ الحاضرين , و لكن الصدمة كانت عندما خلعت ديمة حجابها أمام الجميع مذكرةً بحكاية "بزرجمهر" , وقالت لهم:

  • إنتوا مو رجال و هدول الشهدا ما بليقوا فيكم!

ثم ما لبثت أن هتفت "الله.. سوريا.. حرية.. و بس"و "يا جنة فتحي بوابك هالشهدا من أحبابك".

كانت تهتف وحيدة بين خمسينَ رجل فالخوف في بداية الثورة كان لا زال مستوطناً في نفوس الناس و الجميع يخشى من "العواينية" , أما ديمة التي كانت تشارك في كل مظاهرات المناطق المجاورة فقد تجاوزت حاجز الخوف بمسافاتٍ جعلت الجميع يخشى منها , فالعقلية المؤامراتية التي استوطنت بين الناس جعلتهم يقولون عنها أنها عميلة للمخابرات و أنها تحاول توريط الناس لكي تكتشف أكثر الأشخاص قابلية للتظاهر في زملكا و تخبر عنهم الأمن , و لكن اليوم التالي كان كفيلاً بأن يسقط نظرية المؤامرة عندما اقتحم الأمن بيت ديمة و جرها بقسوة إلى السيارة "الجيب" و هي تشتم و تسب و تبصق دون أدنى خوف مع أنها تعرضت لصفعات شديدة و كلاماً يهينُ كرامتها و يتهمها بالعمالة لإسرائيل .

*********

بدأت الانتفاضة تأخذ شكل الثورة الشعبية , ولا زال حيّنا ينعمُ بخوفه الذي حاولت ديمة تفجيره أكثر من مرة، ولا زالت الاتهامات لها بأنها (مسترجلة و ما عندها أهل يضبوها) مستمرة , هذه الاتهامات التي كنت شخصياً أشارك بها.

 لماذا كنا نحمل كل هذا الحقد على فتاةٍ جميلة يمكنها أن تطلب أي شيء فتناله في مجتمعٍ يُقَيِّم المرأة على أساس شكلها , هل كان السبب خوفنا الذي نختبئ وراءه و نريد أن نبرره بتحقير الآخر و الادعاء بأنه لا يملك أي ضوابط أخلاقية أو دينية , من اللاأخلاقي في هذه القضية ؟

كنت أستمع لأخي و أصدقائه و هم يتكلمون عن ديمة مجدداً , كان هناك حديثٌ عن أن ديمة خرجت من "فرع الجوية" و أنها تعرضت للاغتصاب , نالتني غبطةً مفاجِئة لم أدر معناها , و كان أولُ شيءٍ قفز إلى رأسي أن ديمة لن تستطيع الزواج بعد اليوم , فمن سيتزوج من فتاةٍ تعرضت للاغتصاب أو ألصقت بها هكذا تهمة , شعرتُ و كأنني تخلصتٌ من منافسٍ قوي , للحدِ الذي أصبحتُ به أسيرُ في الحارة و أنا أكثر ثقةً و اعتداداً بنفسي علماً أن ديمة لم تكن في يومٍ من الأيام تهتم لأحدٍ من شباب الحارة , و أنا متأكدة من أنه لا توجد عائلة ستقبل أن تزوج ابنها من ديمة , فلماذا هذه السعادة الوقحة التي انتابتني , كان خيالي لصيقاً بغشاءِ بكارتي الذي لا زال بخير , و كان على ديمة تحديداً أن تتعرض للاغتصاب , كي أتأكد من ذلك .

*******

عندما بدأت التظاهرات تجتاح زملكا كانت ديمة قد غادرت الحي و التحقت مع الثوار في حمص و أصبحنا نعرف أخبارها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي و كلما خرجت فيديوهات مصورة من حمص و فيها ديمة محمولة على الأكتاف و هي تهتف للحرية كان جميع من في الحي ينتشي لابنة زملكا البطلة و الحرة و (اللي الله محيي البطن اللي حملها) متناسيين كل الأحقاد و النميمة التي كانت تنال منها .

الآن أفهمُ تماماً لماذا كانت ديمة لا تتأثر بالكلامِ الذي يدور حولها , كانت قضيتها أكبرَ من كل الشائعات التي طالتها , و لأنها لم تقف عند أيٍ منها فقد استطاعت أن تمضي قُدماً مخلفةً وراءها نفاقنا الذي كان يرتدي في كلِ مرة حلةً جديدة .

آخرُ مرةٍ رأيت بها ديمة قبل أن تغادر الحي كان ينتابني الفضولُ لمعرفة ما إذا كانت حقاً قد تعرضت للاغتصاب , لذلك تجرأت و سألتها عن الموضوع , لا زلتُ أذكرُ ابتسامتها القوية و هي تجيبني : " إن كان هذا ما يشغلُ بالُ الجميع في الحي , فنعم , لقد تعرضتُ للاغتصاب , و قد استمتعتُ به جداً " .

تمت

_________________________________________________

ربيع - خاطرة لملَك

لم تكن تلك الرائحة تبعثُ الطمأنينة.. ما من مرةٍ شممتها إلا وكان خيالي صاحب الموقف..  حتى ذلك الهدوء المريب لم يذكّرني سوى بالهدوءِ المصاحب لنظرات أمي المرتبكة الخائفة، والترقب الذي دام ساعةً ونصف بانتظار خروجه من الغرفة (كان ما إن يدخل حتى نبدأ باستعمال مخيلتنا و مخزون الأفلام المرعبة التي شاهدناها طيلة سنين) و أقول محاولةً إزاحة تلك الأوهام: رائحة دمٍ أليس كذلك؟؟ هل تشمّين رائحة دم يا أمي؟؟
- لن تخترق رائحةُ الدمِ ذلك الباب، ثم من أين؟؟ هل انتحر؟؟ هل ذبح نفسه؟؟ إبرةٌ صغيرةٌ والقليلُ من المخدّر لن يسيل بسببها الدم الكافي ليشبع مخيلتكِ.
- حسناً.. شكراً على تفاؤلك العظيم يا أمي.
ثابرتْ أمي خمسة عشر عاماً على إظهار القوّة الزائفة.. لكن هل يجرؤ أحدٌ منَّا على وصفها زائفةً بصوت مرتفع؟ ستصبح أسنانهُ زائفةً من يفعل!
- والحلّ؟! نادي له !


أبدأ بالصراخ: ربيع.. تعال أريد أن أخبركَ شيئاً .. هل أنت جائع؟ ألا تريد مشاهدة الفيلم؟ ((أيّ بلاهةٍ أقولها لا يهمّ.. المهمّ أن لا أفتح الباب وأراهُ ميتاً مثل المرَّتين السَّابقتين))  ناهيك عن وزنه الزائد الذي أتعبَ في إسعافهِ مرتين بائع القهوةِ القرويّ المتعجرف.
يخرجُ السَّبع من غرفتهِ مختالاً يجرُّ وراءَهُ بضعَ سنينٍ و بضعَ فضائح.
- كم لبثت؟
- ساعة ونصف لا تُذكر.. عادي.
و تبدأُ المعركة...

 
- ألفُ مرةٍ أقول لكم لا تصرخوا في وجهي.. هل تقصدون استفزازي ؟؟ ما ظنكم كنت أفعل؟
- أمي : كنتَ تصلي التراويح ((وتنهالُ عليه بالشتائم و الصراخ مخفيةً بريقَ أوّل دموعها كي لا تفضح الأمر)).. إذ أنها لو واجهتهُ بعلمها لتعاطيه المخدرات لن يزيد الأمر إلا سوءاً.

أحاولُ عبثاً تهدئة مخيّلتي: ماذا لو هاجمها؟ هل أضربه من خلف حتى يفقد الوعي؟ بماذا سأضربه؟ ماذا لو فقدت أمي وعيها مثل المرات السابقة؟


- أمّي : شبابٌ مثل الورود يتمنون سقفاً يأوي عائلتهم.. ألا تشاهد الأخبار؟ ألا تشعر بنعمةِ ما أنتَ فيه؟
- ربيع : غداً عندما أسافر ستندمين على معاملتي بهذه القسوة.. سأخرج من هذه المقبرة و ستقولين كان هنا ذات يوم.
تبدأ أمي بالدعاء و الابتهال: اخرج لعنك الله.. عسى أن تغرق أو تصبح عشاءَ قرشٍ أو فريسة قُطَّاع طرق.. ((الله يغضب عليك)).
- ربيع : هل تظنين بأنه يستجيب لك؟ هل نسيت كم مرة في اليوم يدعون له كي يرفع البلاء؟ حسناً..  كم ليلةً في الأربعِ سنينَ الماضية لم تفارق أصواتُ الدُّعاة لياليهم؟

كان سينهي جملته التي حفظتُها لو لم يخترق الرصاص النافذة.. ليذهبَ هو إلى مجيبِ الدَّعوات، وتذهبَ أمي وراءه لاهثة، ونظراتي معلَّقةٌ بالأمتار القلية بيني وبين عزرائيل.
لكنَّ الرائحةَ هنا كانت أقوى، و ما من داعٍ لأسأل أحداً كي يؤكّد لي أو ينفي.. رائحةُ دم.. لقد حفظتها!

لا يُخرجني من هذه الكوابيس إلا صوت ناتالي المزعج.. تصبُّ جامَ غضبها على أمها وأبيها.. كيف لا يخبروها بنتيجة فوز المغني السوري.. لماذا لا يُراعون متلازمة الانتماء القوميّ التي تصيبها؟
- لا أريد أن أسبّب لك الازعاج بوجودي.. ولكنني أحتاج نصائحك كموظفة في هذه السفارة فيما يتعلق برغبتي في هجرةٍ لا مخاوفَ فيها أو إشكالات، فما المطلوب؟ 
تنهال على مسامعي ضحكتها وهي تسخر: هجرة لا مخاوف فيها؟ هل تملكين حساباً مصرفياً ؟؟ أو عقارات؟ أأنتِ تاجرة؟
- عقارات؟ لا .. ولا حساب ولا شيء مما ذكر..
- عليكِ بما فعل الكثير , اهربي.
- أهرب؟ ربما عليَّ أن أهرب من هذا الكرسي أولاً , ثم لو كنت أملك ما ذكرتِ لما احتجتُ للرحيل.. هل أهرب من موتٍ إلى احتمالاتِ موت؟
الأرجحُ أني أحبُّ الموتَ هنا.. و سيدعم قراري قلّة صبري، ومللي الشديد، وكرهي للانتظار.. لو كانت أمي تواجه هذه الخيارات لتفاءَلَتْ بعيشةٍ تنتهي بموتٍ هادئ، ولرأتْ أنَّ الرحلة بين موتين ممتعة، وتستحقُّ أن "تُعاش"!
- إذا عزمتِ على الهرب سأدلّك على من يساعدك، ويخفف عنك بعض التكاليف.
- أهرب وأدفع؟
- لا تبالغي.. ستضمنين حياةً أفضلَ، وعملاً، وستكملين دراستك، ثمّ إنك لستِ وحدك من سيفعلها.. حولك كُثُرْ.
- لا أقصد المبالغة، ولكنّي لا أستطيعُ تحمّلَ مشقةٍ كهذه، وكما تعملين أنا وحيدةٌ الآن و...
- وحيدة؟ أنصحك أن تخرجي منها.. إنها أرضُ سوء، وساحةُ معركة، وكلُّ من عليها فانٍ.
أردتُ أن أصرخ في وجهها: اخرجي منها إذاً! ما الذي يمنعك؟ لديكم عقارات ولديكم أرصدة في عدة بنوك!
لكنها أردفت قائلةً وكأنها سمعت: ولم يبقَ فيها إلا أمثالك، ممن ليس أمامهم سوى امتصاص ما تبقى من أيّ شيء يمكن استغلاله، وحتى لو لم تكوني عنصراً فاعلاً في ما يحدث.. ثمَّة ما يسمّونه الموتَ الطائش.. ما حدث لربيع مثلا !
حتى الآن لم تنفجر القنبلة بعد.. لا بأس كان ربيعٌ مخطئاً في حبّه للّون الرماديّ حيث يرى أن لا أبيض ولا أسود يليق به.. بالرغم من أنَّ أفعاله كانت سوداء!
- حسناً.. انتظريني إلى أن أجد وجهةً أخرى.. و لكن هل تشمّين؟؟ وكأني أشتمّ رائحةً ..
قاطعتني قائلةً: رائحة الياسمين.. إنه عطري المفضل.. طبعا أشتمُّه.
- لا أظنّ!

تمّت

__________________________________________________

إلّا نعشاً - قصيدة لأحمد م أحمد

 

إلا نعشاً

إلى منذر مصري

 

أحرقتُ
سفني
إلا نعشاً ـ

جسدي
النَّعْشُ ـــ
الـ "لم يلِدْ
ولم يولَدْ" ولَنْ..

لا أحرقه الآن،
ثمةَ بقيّةٌ من أسنانٍ
ستنهشُ
هذا الخشبَ الهَشَّ،
وفي الجراب
كثيرُ المساميرِ
لكفَّيْنِ
سترميان القيثارةَ
بعد حينٍ
في نارِ السّفائنِ ـ
التأكلُ الماء.

 

 

 

1

الصَّبيُّ النَّحَّاتُ
غارقٌ
في نحتِ شيخوخته.

 

2

أختاي الكبيرتانِ "لا" و"ليس"
أمسكَتا بيدي، أنا الأعمى،
ومضينا لننثرَ الجزالاتِ في البحرِ.. ونضحك!

 

3

من زهرةِ ساقيكَ المقطوعتين
يقطرُ العسلُ،
يغمرُ زهورَ الأنبياء.

 

 

4

لم تُفلحْ كيمياؤكَ في تركيبِ
اسمِ صديقٍ تُهَاتِفُهُ
حين تتشلَّعُ الرّوح.

 

5

أسنانُكِ
أوقح
من صفيحٍ عند رقبةِ الليلَك.


6

في تضاعيفِ الأصواتِ المخنوقةِ
القادمةِ من الحيِّزِ الآخَر
تأتي مَحارِقُ العصر.

 

 

7

مع ذلك،
أطيبُ السّاعاتِ
حين لا أكونُ معي.


8

حين انطبقَتْ ظلالُكِ
على ظِلّي،
ارتعشَ القصب.

 

9

السّرُّ
في الحقولِ ــ
تَمِيْدُ من تحتها التُّخوم.

 

 

10

لم أفكِّرْ قَطّ
بكتابةِ رسائلَ
إلى آباءٍ راحتْ حياتُهم دعساً!


11

ارجُمِ البياضَ بلعقةِ قلم،
والأقفاصُ البحريَّةُ
ستحفَلُ بعد قليل بحيادِ الزّعانف.

 

12

فرعا الشّجرةِ المحروقةِ
يتآمرانِ
على الأضحيةِ العجفاء.

 

 

13

حينَ يبيعُ الأوغادُ على الهيكل،
لوِّحْ للأنثى بالغصنِ
لعلَّها تقرأ فوق الجرح.

 

14

أصدقُ الدُّموع
تلك التي ذرفتْها أمي العانسُ،
والإماءُ!

 

15

طفلةٌ صغيرةٌ، سعيدةٌ
في حضنِ جَدٍّ أدرد
قَعَدَ الآن فوق الكلاشينكوف!

 

 

16

صدرُ اليمامةِ يقولُ
إنَّ القذائفَ
ستَحِيْد!

 

17

اسودَّتِ الدفاترُ ونحنُ نَصِفُ بياضَها.
حرَقْنا الأرضَ
ونحنُ نُنْشِدُ أخضَرَها!

 

18

اللغةُ
حنوُّ النَّقعِ
على سيقان القطيع.

 

 

19

يُنجِدُ
الغريقُ
الغريقَ.

 

20

لا أنتظِرُ،
إذ لا ناصيةَ
أقفُ عليها!

 

21

الزوايا الحادّةُ
تمويهٌ مُتْقَنٌ
لرعشتِها المُدَوَّرةِ
الليلةَ الفائتة!

 

22

أبانا
الذي في
منفضة السجائر:
Shut the fuck off

 

23

رياحُ الخُماسين
مع الأرغفة السّاخنةِ
المنشورة على بوّابات الصّباح،
علاجٌ ناجعٌ من ميليشيات القهر.

 

24

البلادُ خرائطُ جُوْرٍ،
لولا أحاديثِ الرّعاعِ تُفرقِعُ حولَ سيقانِ
الإناثِ
المعتَّقاتِ كالدَّمع.

25

اطرحِ المعرفة كما يقيءُ البحر،
تعلَّمِ التّنفُّسَ كبحر،
ترَ الذّبابَ الأزرقَ
يفرُّ من السُّلَّمِ الموسيقيّ
لأغنية على شفتيّ "عاهرة تحترق في حيٍّ فقير"[1].

 

26

الزّخارفُ الرّتيبةُ
ودمُ الأخوةِ،
محرقةُ المخيِّلة.

 

27

ساقاكِ وقصائدكِ
والجبالُ العاليات
مَطْهري.

28

تتشابه أجنّتُنا
مع أجنَّةِ الدّببة القطبية،
كما تتشابهُ الدّيدانُ
في جثثِ المتشابهين الأحياء.

 

29

غربالٌ جميل أيّها الشّاعر،
والأجمل منك
مَن يرى الشمسَ من غربالك.

 

30

إلى الحتفِ، كنْ واحداً
من تلك الأخطاء الشّائكة
التي تمشي على الرّصيف.

 

31

قريباً ستطبعُ ألفَ نسخةٍ
من وجه القلب،
نصفها سيُركنُ
في الجانبِ المغبرّ،
ونصفها سيحاولُ الغُبار.


32

بُحَّةُ صوتِكِ
السّوَرُ المجهولةُ
على وجهِ النبيّ.

 

33

في زيارتكِ القادمة
تعالي
بالفستان،
منذ أمدٍ
لم تشمَّ نذالاتي الصّغيرةُ
الهواءَ.

34

الرُّسُلُ
مسرنِمونَ
حرنتْ جيادُهم.

 

35

الموتى
لا يصطدمون
بالأبواب المغلقة.

 

36

أتكفّلُ بالتّابوت،
وأنتم بجثمان القصيدة!

37

يسري النّعاسُ
كسعفة نخيلٍ
تحت مذبحةٍ وشيكة.

38

الرجال الشّعراء
يكتبون على أوراق مجعلكة.
تكتب المرأة على غرائز بيضاء!

 

39

من السذاجة بمكان
أن تُصدِّقَ صغارُ الحبقِ
الشّمسَ.

 

40

الأمُّ جوهرٌ،
الآخَرُ هو الـ Welcome ،
على مسّاحات الأقدام.

 

41

أشتهي الأقحوانَ،
أُغادرُ الأنثى البُوْرَ
إلى مُعجمي النَّاقص.

42

..وماذا بشأن
كلِّ تلك الحروب
التي أشعلها
التّجريدُ!

43

لم تكن أكثر غياباً
كما أنت الآن ــ
إلهيَ ــ
في سكوتكَ
على محرقة اللغة.

أُصدِّقُ
أرحامَ الثّقوبِ السّوداء.

44

الكلمات الكبيرة
هي التي أُصيبتْ
بعدوى كثافة الوجود.

 

45

الحرفُ يلقِّحُ الحرفَ ــ
سلالاتٌ وقبائلُ
من كلام.
أغرقُ
في الجائحات.

 

46

يلزمك ألف عمرٍ
لكي تكفِّرَ
عن عيشِ عمرٍ واحد.

 

 

47

الشّاهدُ الملك
بيتُه
من زجاج.

 

48

تذوّقْ لذّةَ النَّصّ
وأنتَ تُجرجرُ
السّاق العرجاء والخسارة.

 

49

الأسرار
ثقوب
في غشاء بكارة المدن.

 

50

أقولُ كلَّ نفسي اليومَ
لكي أموتَ غدا.


51

لا أصدِّقُ
أنّني الابنُ الشّرعيّ
لهذيانِ الثّواليث،
للرّذاذِ الأصفر
من حكاياتكم
      البرصاء.

 

52

قد لا نشيخُ لدى ارتشافِ القهوةِ
مع خمسينيّةٍ تتسقَّطُ المديح
مذ أضاعتْ أسنانها
في طريقها إلى السّوقِ
لشراء قضيَّةٍ
تؤنسُ وسادةَ ليلٍ فاغِر.

 

 

53

عائلةُ الحريّة
تتعرّى من الأوصافِ.
عائلةُ القزَمِ
تشتري كثيرَ الثّيابِ والمدافئ.

 

54

نساؤه متكوِّراتٌ على الرّفوف
إلا ذات نهدينِ
تمدُّ يدَها النّحيلةَ
لتدفعَ فاتورةَ الغدِ،
بطحينٍ، وابنٍ مقتول.

 

55

بغلٌ يتمرَّغُ
في الأرضِ الغُبار.
أتمرّغُ
في حمّامِ النّدم.

56

كائنٌ ركيكُ الحياة،
يغتابُ سريرَتَه
في أسفلِ الصّفحة.

 

57

"شجى"
و"هطول"
تُفكِّكان
قهراً آخر.

 

58

في الحلقةِ القادمة،
سأُوقِعُ بكِ
بترتيلةٍ مُغمَضةِ العينين.

 

59

كلماتي قارسةٌ،
تمشي إلى جوارِ حيطانٍ قارسة،
لولا البخار
المتصاعد من أفواهِ
الموتى الـمُقَنَّعين.

 

60

جوهرُ أجسادهنّ
في الأسوَدِ
يدقُّ جرسَ الرّغباتِ
في المأتم القريب.

 

61

هي وكلبُ بافلوفي
and my ass
الفرقةُ
النّاجية.

62

لَعَمْرِي،
السّوريّ أُسْرِيَ به
من الوجعِ الأقصى
إلى القتلِ الحرام..
مشى فوق الدّم.

 

63

مدنٌ بخسةٌ
تشتريها
بربع كذبة.

 

64

مِنْ فقه اللوثةِ
أنّ مِذَبَّةَ أميرِ البراغيث
وراء هذه الصّفاقات.

65

كائنُكَ الثّالثُ
ينفضكَ
كضوء.

 

66

في الصّباحِ
تُرتِّبُ السَّمينةُ تحت بنطالِها
طبقاتِ العشقِ ــ
لو تدري
يا ذا الحَمَام.

 

67

سقوطُ القُبَّعات، هرهرةُ النشيدِ الوطنيّ
حول خصى الرَّتْل، ثم البيغ بانغ:
الحتميّة التاريخية
لمولدِ قلمٍ بلا غطاء.

68

ألمْ يكُ أ.م.أ
أوَّلَ مَن بشَّرَ
بـ "السّيقان المقطوعة
التي تحوَّلتْ إلى مزالجِ بوّابات"؟

69

لا يحتاجُ المقهورون
إلى كلِّ هذا الصّراخ:
زفيرُهمُ الأوّلُ
يوغِلُ سِتَّ أقدامٍ
في التّراب.

 

70

يا أبتِ:
منذ فرغتُ من صَلْبِكَ
أدركتُ أنني لن أكون محنيَّ الظّهر.

 

71

من كثرةِ يباسي
ملحمةُ
اخضرارِك.

 

72

القتلُ
بإيلاجِ السّذاجة
في قولٍ مثقوب.

 

73

الغنائيّةُ عصا التّوازنِ لِذِي النَّيْرِ يسيرُ
على حبلٍ مشدودٍ
ما بين أنثاه في الخلف
ووجهِه في الأمامِ البعيد.

 

74

وحده الحرفُ الطّباعيّ
القادرُ
على ازدرادِ تفاهتي.

 

75

والرِّيحِ،
كلُّ وهلةٍ
نبعٌ وكتاب!

 

76

أقتلُ أَرَقيْ
بباقاتِ أزهاري
على أبوابِ الغرباء.

 

77

اكتبْ قصيدتَكَ
والنّوافذُ مُشرَعةٌ،
يأتِني الضّوء.

 

 

78

النوافذ بيضاء.
كلّ النوافذ بيضاء،
ليس لكثرة السَّواد!

 

79

أشباهُكَ
سُبَّحةُ المخاوفِ الثلاثة والثلاثين،
و(المئذنةُ) ذبولُ الذّكر
أثناء النّشرة الجويّة.

80

الطّقسُ ينبئُ
بشاعرٍ أخرقَ سيدقُّ البابَ،
وفي دواتِه الأرانبُ!

 

81

أقليّاتٌ نصفُ صلعاء،
في طور المضغةِ،
تخنقها الرّغوات!

 

82

قابَ نهدين
أو أدنى،
يقولُ اللاهثُ بزرقةِ الحليب.

 

83

ملحمتُهم
مرّتْ من هناك،
أنبأَنا الغبارُ هنا.

 

84

كُفّي عن الاتّصالِ بي ليلاً،
لتذكِّريني بالفاقدِ،
وتقولي: "لن تكتمِلَ إلا بموقدِ الحطب"!

 

85

العمرُ
كم صديقاً
قدِ انفرَط.

 

86

لِقِلَّةِ الآباءِ في الجوار،
تتكاثرُ المكانسُ،
تتهافتُ الأقراصُ المضغوطة،
ما يُهدِّدُ الكوكبَ بالنساء المبَلَّلاتْ.

 

87

الميراثُ
حدبةٌ،
القصبُ العزاء.

 

88

الأشياءُ الصّقيلةُ
نيرفانا
أهل السّطح.

 

89

لو أنني "أنا"
لناديتُ أمّي
وبكيت في حضنِها كالمقمّل.

 

90

وبعضُ
وقودي
الاحتقارُ!


91

أخشى أنّ هذا البصيص
في عمق الكهفِ،
ليس إلا بقايا عينيّ،
وأن قلبَ الله
ليس إلا امرأةً
تُمزّقُ ثيابَها.

92

أحبُّ
قلبي
لأنّه نَبَتَ
قربَ قبرِك!

 

93

هذه البلاد
أنثى شهيّة
تتصلَّبُ ساقاها دونَكَ.

 

94

تغادرُ السّريرَ أبداً
دون عشب
على المفارش!

 

95

تدنو من الحياة لتشرب من مائها،
يقنصُ رأسَكَ
التّمساحُ!

 

96

العبورُ إلى "هناك" تمزيقُ ورقة،
العودة من "هناك"
مليونُ دمعةٍ وصلاة.

 

97

معركتكَ المظفّرة
لن تغادر
ما بين القوسين،
يا ذا الأمنية الحدباء.

 

98

أكياسُ النّايلون الملتفّة حول شجيرات الشّوك اليابسة
أراملُ يحدبن على الأزواجِ
في قدّاسِ الرّيح.

 

99

"الهراءُ" مفردةٌ هراءٌ،
لولا أن غطيطَ
المتشابهات والمتناقضاتِ
سطّرَكَ كخزقٍ،
في بكارة دميةٍ صِينيّة.


100

ثلاث ستشحب وجوهها
إن توقّفتِ المرأةُ عن الغناء
وهي تسقي الحبق:
المرأة، الغناء، الحبق.

101

كلّما أدارتِ الدّخيلةُ
محرِّكاتِ الأنين،
قُصَّ أظافر الأقدام المبتورة،
ينصحُ
المعصومون.

102

فيما الهراء
من كلّ صوب،
الحقيقتان الجليَّتان:
رائحتكِ المشتهاة، والشّكّ!

103

ليس ذنبي، أنا الطّفل المذبوح في مجزرة،

أنَّ رجلاً

قد توهَّمَ

صوتَ ملاكِ الرَّبِّ...!

104

لا تجفلي من غصنٍ
انحنى ولَعَقَ وجهكِ،
ولو كان بثلاث أصابع.

 

105

و
ها أنا
أتساقطُ
سوريّاً
إثرَ سوريّ.

 

106

نظرَ إليّ كعدوٍّ له،
فردَّتْ عيناي له
آثارَ جرذٍ قديمٍ
على الإسفلت!

107

مقيمٌ أزليّ
عند الحدّ الخطير،
ما بين
أقصى التَّوق للأنثى،
وبين
طلقة واحدة في الرّأس،
بحضورِ
الفَراش.

 

108

يتخرّشُ النّهار
بقهوتهم وبنادقهم،
قبل أن يمضوا إلى أمكنةٍ أخرى
سربُ طيورٍ سيجفلُ هناك،
ننقرِضُ هنا!

 

109

ترتدي المدينة أبواب الحديد،

عند المساء نوصدُ أبواب الحديد،

واللصوصُ

في الداخل.

 

110

لأن الأغنيات على حبل الغسيل
تشي بالقتل،

سنسكنُ مع العثِّ في أقبيةِ كتبٍ ترطنُ بـ
"..وسيأتي زمن على أمّتي.."!

 

111

اجتزنا الطفولة
مذ ركلنا الكرةَ
وحطّت في دارِ العجوزِ
ذبّاح القطط الصّغيرة.

112

من الغرب
بثورٌ مجنّحةٌ يسوقها الهواء،
وفي الشرقِ الصّديدُ!


113

كونشيرتو أرملة
ترسم ابنَها
في شاحنة الجثث!

 

114
يا جرابَ الدّودِ، مثلي:

هلا أعرتني قلماً

لأرسمَ إشارةَ X على شفريِّ الشّمس.

______________________________________________________________
 
ملاحظة " سيتمّ نشر الروايات قريباً"
شارك هذا الموضوع على :