أفضل تصور لسوريا المستقبل

جائزة أفضل تصوّر لسوريا المستقبل ذهبت لـ: "عمران صالح".

____________________________________________________

يخضع مستقبل سورية التي نعرفها منذ تكونها بصفتها كياناً سياسياً مستقلاً لاحتمالات عديدة. فما التوجه  الذي يترتب علينا تثقيله، والسعي لتحويله من مجرد احتمال أو إمكانية إلى واقع فعلي معاش، بصفتنا سوريين أولاً؟

لقد طرح العديد من الباحثين والمفكرين السوريين هذا السؤال بصيغ متعددة قبل قيام الثورة السورية، ولعل مسار الصراع وطبيعته الراهنة وآفاقه توجب إعادة طرح هذا السؤال الذي أضحت الإجابة عليه مثقلة بالتعقيدات التي طالت خارطة الصراع داخل المجتمع السوري، بارتباطها بالمتغيرات في خارطة الصراع الإقليمي والعالمي.

إن كان لنا أن نتحدث عن ثوابت مرحلية، فلعله أضحى بديهياً أن إسقاط النظام الدكتاتوري يمثل شرطاً لازماً ولكنه غير كاف. ومن البديهي في الوقت نفسه أن الثورة الناجزة تعني فيما تعنيه، إعداد الأطر الدستورية والقانونية والمؤسسات الضرورية التي تضمن الحفاظ على الدولة وتشكل المؤسسات اللازمة لخوض الصراعات والتحالفات، ضمن أحزاب وقوى وكتل  سياسية واجتماعية وثقافية تضمن تداول السلطة على نحو ديمقراطي سلمي.

طابع الصراع الراهن:

وصلنا إلى ما يرتب علينا جدياً التفكير بآراء عديدة حول الأولويات الاستراتيجية؛ حيث يرى البعض أن الأولوية اليوم تتجسد في العمل للحفاظ على وحدة سورية الجغرافية والمجتمعية، ويرى آخرون أن أهم ما يمكن فعله بعد تطور الحرب هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من السوريين الذين أضحت أغلبيتهم عرضة لاستبداد النظام الذي يتابع تحطيم الدولة والمجتمع وتقليص مساحتهما لا ليصبحا بحجم كرسي الرئاسة، بل لتتحول كرسي الرئاسة إلى كرسي أمير حرب، يتحالف مع  أمراء حرب آخرين، مثل ميليشيا حزب الله أو الحرس الثوري الإيراني أو من يستحضرهم من حلفائه المقاتلين الأفغان وغيرهم، ويتباكى على القرار الوطني المستقل الذي يبيعه ويبدده، وللنظام بطبيعة الحال مرتزقته الذين يسوّقون مواقفه بدعوى الحفاظ على الوطن في وجه الغرباء والتكفيريين (الذين تحالف مع بعضهم واستحضرهم بنفسه) أو بإعادة عزف سمفونية الممانعة التي أضحت إحدى مساخر الدهر السوري.  وتم إخضاع المجتمع، في بعض المناطق،  لاستبداد القوى الدينية مثل داعش والنصرة وغيرهما من الفصائل الإسلامية التي تدير عملية التوحش في المناطق التي تخضع لها، وتحول أفعالها الهمجية بحق السوريين إلى أفعال مقدسة بإضفاء الطابع الجهادي والديني على عمليات القتل والنهب والسبي والاغتصاب، وتجد من يسوق لها همجيتها من المرتزقة أو ضيقي الأفق على سبيل محاربة النظام. لقد استنقع الصراع ضمن المجتمع السوري، وأضحت انتهازية من يلحقون أنفسهم بالنظام أو بالقوى الدينية فعلاً يومياً، في حين يدفع غالبية السوريين ضريبة هائلة تمتد من التهجير إلى سفك الدماء مروراً بمختلف أنواع الانتهاكات. ولا يهتم أتباع المستبدين إلا بانتصار أسيادهم. وأضحى إحراق البلد الذي صرح أنصار النظام في وقت مبكر أنهم مستعدون للقيام به من أجل سيدهم، أسلوباً تنتهجه قوى دينية متشددة، وولدت فصائل للمعارضة المسلحة مشابهة للنظام. ما الخطوة الراهنة الممكنة في ظل الشروط التي أشار إليها الكثيرون من النخبة السياسية والثقافية في سورية؟ وأي مسار سنختط وما هي وجهتنا؟

الأسئلة التي يطرحها واقع حال سوريا على كافة الصعد الاجتماعية والثقافية والسياسية والوجدانية والإنسانية والتراثية أكثر بكثير من أن يجيب عليها بسهولة مركز أبحاث، إن البحث في دور الموروث الثقافي والديني في الصراع الراهن على سبيل المثال يحتاج إلى الكثير من البحث، ومع ذلك ، يمكننا أن نتفق ربما على بعض الأمور التي تمثل نقاط توافق سياسية واستراتيجية بين غالبية السوريين.

إن أكثر ما نحتاجه اليوم هو العمل على رفع الحيف العاري الذي يخضع له أغلب السوريين، والذي يتجسد بإدارة الرعب والتوحش التي يقوم بها نظام انفلتت همجيته من عقالها ووافق على توظيف ميليشيات فاشية في قتل أبناء الشعب السوري، بل بدأ يتنازل عن جزء من حصته في إدارة الرعب لأمراء حرب آخرين مثل الحرس الثوري الإيراني الذي طال إرهابه حتى مؤسسة النظام العسكرية نفسها فما بالك بأبناء المجتمع السوري! والغريب أن دعاة الوطنية لم ينتبهوا إلى تفريط النظام الذي يدعي الوطنية بالسيادة الوطنية، وأسهم في خلق سياق قد يحوله هو نفسه إلى جزء من الآلة الإيرانية. إن سورية التي تعيش منذ زمن طويل مأساة الدمج المطلق بين السلطة والدولة والنظام والوطن وشخص رئيس الجمهورية تدفع اليوم غالياً ثمن هذا الدمج. لقد نجم عن ذلك كله الآلاف المؤلفة من القتلى بمختلف الوسائل والأساليب، وشهدت سورية جرائم قتل يندى لها جبين التاريخ وجبين البشرية، من الموت جوعاً إلى الموت تحت التعذيب والموت بالأسلحة المحرمة وغير المحرمة دولياً.  وفي الوقت نفسه خلقت البيئة المناسبة للغزاة الهمج الذين رأوا في الدين برقعاً مناسباً يرتكبون وراءه جرائم همجية في حق السوريين في المناطق التي سيطروا عليها.

خطوات وأهداف

تعتبر حماية السوريين في سياق إعادة الاعتبار للثورة السورية بصفتها ثورة حرية وكرامة لا بصفتها ملك لطائفة أو لقوم، من الخطوات الراهنة الضرورية. وهذا يعني توحيد جهود الشرفاء العاملين لممارسة ما يستطيعونه من ضغوط لإطلاق سراح المعتقلين، وإيصال المعونات والإغاثات للمحاصرين، وحماية قوى الثورة المدنية الديمقراطية بمختلف السبل الممكنة.

أما الهدف الأساسي الذي  يتجسد في الوحدة المجتمعية والجغرافية، كما يرى البعض، أو "بدولة  الحرية والكرامة"، أو بالدعوة إلى "العزة الوطنية"،- وبصرف النظر عن مدى الإبهام في هذه الشعارات بالمعنى الإجرائي- فلا يمكن أن يتحقق خارج حدود الدولة الديمقراطية التي يتيح قانونها ودستورها لأي من أبنائها أن يحتمي به، والذي لا يكون فيه درجات في المواطنة تبعاً للعرق أو المذهب.   

ويقتضي ما أشرنا إليه توحيد جهود مختلف الليبراليين والعلمانيين ودعاة الدولة المدنية الجادين في دعوتهم لتشكيل قوة تتجاوز إخفاقات الإئتلاف وتبعية العديد من القوى المكونة له إلى الدول الإقليمية. نحن بحاجة إلى قوة سورية فاعلة تحترمها القوى الإقليمية وتستطيع من جهتها أن تتفهم وتتفاعل مع هذه القوى بما يخدم مصلحتها كما يحدث في كل زمان ومكان. فنحن لا نعيش في جزيرة معزولة، وفي عالم اليوم لا مكان للعزلة، ثمة مساومات واتفاقات بين دول الأرض كلها، وعلينا معرفة الكيفية التي نصيغ فيها علاقات إقليمية ودولية متوازنة وتجييرها لمصلحة البلد.

قد تتشظى سورية، ونخسر بذلك مرحلة طويلة نسعى خلالها لإعادة لملمة الكيان السوري بطريقة ما، ففي تكوين كيانات سورية متعددة إفقار اقتصادي واجتماعي بل هو إفقار وفق كل الاعتبارات لكل تلك الكيانات، بالمقارنة مع كيان واحد ديمقراطي قابل للحياة دون قنابل انتقامية موقوتة. 

نحتاج في المحصلة إذا أردنا الحفاظ على وحدة سورية الجغرافية والمجتمعية إلى الاتفاق على أن سوريا لكل السوريين (باستثناء قادة الإجرام وأدواته) . إن إيقاف تشظي المجتمع السوري، أو حمايته من آثار ما كابده من تشظيات لا يمر إلا عبر عقد اجتماعي عصري بين مختلف مكونات الشعب السوري، ولا يمكن لهذا العقد أن يكون غير ديمقراطي وغير مدني. فالمنطلقات الأيديولوجية والعقائدية من شأنها أن تدعو (وقد دعت فعلياً) للإبادة والتهجير والتغيير الديموغرافي، ولا أعتقد أنها ستنتج أكثر من تشظي فعلي أو كامن، ولا أظن أنها ستحول المجتمع إلا إلى ساحة ألغام. وبغير التوافق على اعتبار الهوية السورية هي الأساس في صياغة القوانين والدساتير، والإقرار بتداول السلطة خارج حدود المعتقدات الدينية والملامح القومية، واحترام كل العقائد والأديان لا يمكن إيقاف عملية التشظي ولا يمكن بناء مجتمع قوي وعزيز.

شارك هذا الموضوع على :